العيني
40
عمدة القاري
الحديث عن عاصم عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء ، وهذا أصح من حديث محمود ، ولا يعرف هذا الحديث إلاَّ من حديث عاصم . وليس إسناده عندي بمتصلٍ وفي ( علل ) الدارقطني رواه الأوزاعي عن كثير بن قيس ، عن يزيد بن سمرة عن أبي الدرداء . قال : وليس بمحفوظ . وقال ابن عبد البر : لم يقمه الأوزاعي ، وقد خلط فيه . وقال حمزة : رواه الأوزاعي عن عبد السلام بن سليم عن يزيد بن سمرة وغيره من أهل العلم عن كثير بن قيس . قال أبو عمر : وعاصم بن رجاء ، هذا ثقة مشهور ، وقال الدارقطني : عاصم بن رجاء ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء ، ولا يثبت . قال : داود بن جميل ، مجهول ، وقال البزار : داود بن جميل وكثير بن قيس لا يعلمان في غير هذا الحديث ، ولا نعلم روى عن كثير غير داود والوليد بن مرة ، ولا نعلم روى عن داود عن غير عاصم . قال ابن القطان : اضطرب فيه عاصم ، فعنه في ذلك ثلاثة أقوال : أحدها : قول عبد اللَّه بن داود عن عاصم بن داود عن كثير بن قيس . الثاني : قول أبي نعيم عن عاصم عمن حدثه عن كثير . الثالث : قول محمد بن يزيد الواسطي عن عاصم عن كثير ، لم يذكر بينهما أحد . والمتحصل من حال هذا الخبر هو الجهل بحال راويين من رواته ، والاضطراب فيه ممن لم يثبت عدالته . انتهى . وقد مر من عند الترمذي أن محمد بن يزيد روى عن محمود بن خداش فسماه قيس بن كثير ، فصار اضطراباً رابعاً ، والخامس : قال في ( التهذيب ) : داود بن جميل ، وقال بعضهم : الوليد بن جميل . وفي ( جامع بيان العلم ) لابن عبد البر ، من رواية ابن عباس عن عاصم عن جميل بن قيس ، ثم قال : قال حمزة بن محمد ، كذا قال ابن عياش : في هذا الخبر جميل بن قيس . وقال محمد بن يزيد وغيره عن عاصم عن كثير بن قيس ، قال : والقلب إلى ما قاله محمد بن يزيد أميل ، وهذا اضطراب سادس . وسابع : ذكره الدارقطني ، وقد تقدم . وثامن : ذكره ابن قانع في كتاب الصحابة ، وزعم أن كثير بن قيس صحابي ، وأنه هو الراوي عن النبي ، صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، هذا الحديث ، وتبع ابن القانع ابن الأثير على هذا . وقول ابن القطان : لا يعلم كثير في غير هذا الحديث يرده قول أبي عمر : روى عن أبي الدرداء ، وعبد اللَّه بن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنهما ، ومع ذلك فقد قال أبو عمر : قال حمزة : وهو حديث حسن غريب . والتزم الحاكم صحته ، وكذلك ابن حبان رواه عن محمد بن إسحاق الثقفي : ثنا عبد الأعلى بن حماد ، قال : ثنا عبد اللَّه بن داود ، فذكره مطولاً . ولما ذكر في ( كتاب الضعفاء ) تأليفه حديث جابر بن عبد اللَّه قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ( أكرموا العلماء فإنهم ورثة الأنبياء ) قال : فيه الضحاك به حمزة ، ولا يجوز الاحتجاج به . وقد روي : ( العلماء ورثة الأنبياء ) بأسانيد صالحة ، ورواه أبو عمر من حديث الوليد بن مسلم عن خالد بن يزيد عن عثمان بن أيمن عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، ولما ذكر الخطيب في ( تاريخه ) حديث نافع عن مولاه ابن عمر أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، قال : ( حملة العلم في الدنيا خلفاء الأنبياء ، وفي الآخرة من الشهداء ) . قال : هذا حديث منكر لم نكتبه إلاَّ بهذا السند ، وهو غير ثابت ، وإنما سمى العلماء ورثة الأنبياء لقوله تعالى : * ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ) * ( فاطر : 32 ) . قوله : ( ورثوا العلم ) ، بفتح الواو وتشديد الراء من التوريث . ويجوز بفتح الواو وكسر الراء المخففة ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الأنبياء في قراءة التشديد ، وإلى العلماء في قراءة التخفيف ، وأعاد بعضهم الضمير إلى العلماء في الوجهين وليس بصحيح ، ويجوز ضم الواو وتشديد الراء المكسورة أيضاً ، فعلى هذا يرجع الضمير أيضاً إلى العلماء . قوله : ( من أخذه ) أي : من أخذ العلم من ميراث النبوة أخذ بحظ ، أي : بنصيب وافر كثير كامل ، فإن قلت : لِمَ لَمْ يفصح البخاري بكون هذا حديثاً . قلت : للعلل التي ذكرناها ، ولذا لا يعد أيضاً من تعاليقه ، ولكن إيراده في الترجمة يشعر بأن له أصلاً ، وشاهده في القرآن . ومَنَ سَلَكَ طَرِيقاً يَطْلُبُ بِهِ عِلْماً سَهَّلَ الله لَهُ طَرِيقاً إِلى الجَنةِ هذا أخرجه مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة ، وهو حديث طويل أوله : ( من نفس عن مؤمن كربة ) . . . الحديث ، وأخرجه الترمذي أيضاً ، وقال : حديث حسن . فإن قلت : هذا حديث صحيح ، ولذا أخرجه مسلم ، فكيف اقتصر الترمذي على قوله : حسن ، ولم يقل : حسن صحيح ؟ قلت : لأنه يقال : إن الأعمش دلس فيه ، فقال : حدثت عن أبي صالح ، ولكن في رواية مسلم عن أبي أسامة عن الأعمش : حدثنا أبو صالح ، فانتفت تهمة تدليسه . وأخرجه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن أبي الأحوص عن هارون بن عنترة عن أبيه عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، موقوفاً . قوله : ( يطلب ) جملة وقعت حالاً ، والضمير في : به ، رجع إلى المسلك الذي يدل عليه قوله : سلك ، كما في قوله تعالى : * ( أعدلوا هو أقرب للتقوى ) * ( المائدة : 8 ) . قوله : ( علماً ) ، إنما نكره ليتناول